النظام الايراني والتراث العربي الأحوازي
كتبهاطارق الاحوازي ، في 17 فبراير 2008 الساعة: 20:25 م
عندما وصل رضا خان البهلوي عرش السلطة في ايران قام الفرس بمحو كل ما هو غيرفارسي وغير آريّ ليتمكنوا من فرض سيادتهم غيرالمشروعة على جميع الشعوب التابعة لهم كما انهم فرضوا على الاتراك الآذربيجانيين والعرب والاكراد والبلوش والتركمان سياسة ثقافية جديدة كانت تملى عليهم من العاصمة طهران ، وذلك من أجل صهرهذه الشعوب في بوتقة الثقافة الفارسية الجديدة المتجسدة باللغه والثقافة الفارسيتین والتاريخ الشاهنشاعي العنصري المزورالذي لايهتم الابتاريخ الفرس وامبراطورياتهم التی شكلت منذ المائة السادسة قبل الميلاد ومن ثم اغلقت دفاترها مع مجيئ الاسلام والعرب.
وتعميماً لهذه السياسة بدء رضاخان وبإيعازمن المركزالقومي الشوفيني (الذي تأسس على يد الإنتلجنسيا الفارسية المتأثرة بالنظرية العنصرية الآرية التي نشأت في أروبا) ترويج اللغة الفارسية واصدار أوامر ملوكية تمنع التكلم باللغات غيرالفارسية في الدوائرالحكومية والمدارس وحث على تبديل اسماء المدن غيرالفارسية الی أسماء فارسية كما جلب منقبين ولمستشرقين من اوروبا للتنقيب والبحث من اجل تعريف الحضارة الفارسية القديمة فقط والكشف عن هويتها ومكوناتها وتأريخها وبذل في هذا المجال اموال هائلة ،فمن هذا المنطلق أخذ الكتاب المأجورون يكتبون المقالات ويؤلفون الكتب التاريخية ويترجمون البعض منها ولكن كما ذكرنا جهودهم هذه كانت تقتصرعلى تأريخهم الفارسي فقط و لم يهتموا بتاريخ الحضارات والثقافات الأخرى التی كانت قد سبقت الحضارة الفارسية أوعاصرتها أوالحضارات التي أتت بعدها وكتموا الكثيرمن الحقائق المتعلقة بها و في كثير من الأحيان قاموا بتزويرالتاريخ ونسبوا إنجازات الآخرين إلى حضارة فارس .
قد يتساءل البعض لماذا يهتم الفرس بتاريخ العيلاميين والاشكانيين واليونانيين ؟ أليست هذه الحضارات غيرفارسية ؟ فالجواب واضح جداً ، فاهتمامهم بالحضارة العيلامية والاشكانية واليونانية هو بسبب انها قد اندثرت وعفا عليها الزمن ولم تكن منافسة لهم لعدم ارتباطها بالعرب والبلوش والترك والاكراد والشعوب التي تنافسهم حالياً ومنذ آلاف السنين على الحكم والسيادة .
ولذلك أخذت الحكومات الايرانية في تلك الفترة (1924- 1979 م ) تتسابق بعضها على بعض بتنفيذ هذه السياسات الجديدة المتلائمة مع طبيعة الفرس الشوفينية واتخذت اجراءات عديدة بهذا الخصوص منها :
1) ارغام الشعوب غيرالفارسية على استبدال أزيائهم بأزياء اوروبية حديثة و اختيارأسماء لأبنائهم من قوائم محددة تفرضها دائرة السجلات والمواليد.
2) فرض الجهل والامية علی الشعوب غيرالفارسية من خلال عدم توفيرالامكانات التعليمية وعدم السماح لأبناء الطبقات الوضيعة بدخول الثانويات والجامعات والمعاهد
3) عدم السماح للهيئات التنقيبية بزيارة أنقاض المدن والحضارات والمدن القديمة في المناطق التي تقطنها شعوب غيرفارسية مثل بلاد الاحواز وأذربيجان و تركمن صحرا و … خوفاً من أن تؤدي تلك الأبحاث إلى نتائج تختلف تماماً عن ما روجوا اليه زوراً وجوراً ومع الأمنيات والطموحات السياسية والعنصرية التي رسموها لطمس هوية الشعوب غیرالفارسية .
4) تجاهل الحقائق التاريخية التي تتحدث عن حضارات غيرفارسية في البلاد الواقعة بالقرب منهم من خلال عدم الاکتراث بالأبحاث التي تقدم في هذا المجال ،فانهم كانوا يمنحون جوائز ومكافئات ثمينة للمستشرقين الذين كانوا يكتبون فقط عن تاريخ الفرس ولم يسمحوا لأحد أن يقوم بأبحاث أو يكتب عن الحضارات العربية والتركية و … بل كانوا يعتبرون العرب والاتراك والاسلام بشكل عام الدّ اعداء حضارتهم الموهومة ويذمّون الاسلام في كتبهم الدراسية وابحاثهم المشار اليها .
5) عدم الاهتمام بالآثار والأبنية والموروث التاريخي الذي يرمز ألى حضارات غيرفارسية، فمن وجهة نظرهم الضيقة العنصرية إن عيلام وميسان وحتى الدولة الأشكانية هي حضارات غيرفارسية ولاينبغي الاهتمام بها . كما تكاسلوا وتعاجزوا من البحث عن معالم حضارة الأنباط (الأراميين) الذين حكموا على جميع بلدان الشرق الأوسط[2] بثقافتهم وخطهم المتطورومدنهم وحضارتهم الراقية . بل وتعمدوا بتجاهل الحضارات التركية الأذربيجانية والبلوشية فمثلاً لم يعيروا أيّ اهمية لقلعة بابك في أذربيجان ولم ينشروا الدراسات التي كشفها المنقبون عن الحضارة البلوشية في المدينة القديمة [3] التي يرجع تاريخها وقدمتها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد .
وكان لعرب الاحواز في هذه السياسة الحظ الاوفر سنتطرق الى بعض منها حیث أدت هذه السياسات الى ابتعاد الجيل الجديد من اللشعوب غيرالفارسية من هويتهم وتاريخهم الحقيقي بحيث لايعرف عن تاريخه شئ ، لانه لم يحصل على نص مكتوب أو دراسة أكاديمية منشورة ليحصل عليها ولا حتى تذكربشكل عابر في الكتب الدراسية.
الحقيقة أن النظام الايراني ابان حكم البهلويين أو قبل ثورة 1979 لم يقم بهدم نصباً تاريخياً بشكل علني ، لكنهم حاولوا أن يهدموها ويدمروها باسلوب مراوغ جداً إذ أنهم تركوا الآثارالتاريخية وحدها تواجه الكوارث الطبيعية والبيئية لتنهارتدريجياً ، فلمطر والزلزال والسيول والفيضانات والعواصف جميعها ساهمت في محق المعالم الأثرية دون أن يشعرأحد ولم يبق منها الاّ المباني التي كانت قائمة على أسس قوية ومحكمة والتي بنيت بالقرميد الأحمر[4] والمواد المقاومة والأحجار الصلبة أوالمباني التي كانت مغطاة باكثبان الترابية مثل معبد زيغورات [5] .
ولم تتغيرهذه السياسة بعد ثورة 1979 بل ازدات وتشددت اكثرمن ذي قبل وكان للحرب العراقية – الايرانية (العربية – الفارسية) باعثاً قوياً جداً لدفع الثوارالاسلاميين في أحضان العنصرية الفارسية الجديدة أي الثقافة الصفوية التي أعادت نفسها بعد 250 سنة وعلى اساس هذه العقلية الجديدة اتخذت اجراءات جديدة تجاه قضية التراث وقام المسؤلون الايرانيون الفرس بهدم الموروث التاريخي للشعوب غيرالفارسية مباشرة بحجة أنها آثار غيراسلامية أوأنها آثارقد تقع ربما في دائرة المشاريع الوطنية ولابد من تخريبها من أجل تمشية عجلة التطور والعمران (حسب مزاعمهم) ولم تسلم من براثنهم حتى الآثارالفارسية نفسها ولا آثارالاتراك حتى.
أما بالنسبة لاقليم الاحواز واهله العرب وموروثهم التاريخي فقد تعرضت هذه الآثار إلى اعمال تخريبية متعمدة اكثرمن غيرها إذ دمّرت الكثير من الابنية وتركت الكثير منها دون عناية لمواجهة العوامل الطبيعية ولم تسع الحكومة إلى الكشف عن آثار ومعالم الحضارات التي حكمت المنطقة لفترات طويلة وافضل نموذج على هذا الامر هو عملية تخريب قصورشيخ خزعل في مدينة الاحواز والحميدية.
يقع قصرشيخ خزعل في الحميدية على الضفة الشرقية لنهرالكرخة وكان مقراً لجنود الشيخ ومنتزها لعائلته وكان الشيخ عبدالحميد ابن خزعل وولي عهده ، ينزل ذلك القصر وهوعبارة عن مبنأً مستطيلياً يقع في وسط بلاط صغيرة تحف به من الجانبين غرف صغيرة ويحفّ بالقصربستان جميل فيه اشجارالليمون والبرتقال والورود والاعشاب الطرية . ويقع تحت هذا المبنى سرداباً عميقاً ومظلماً مبنيا بالاحجارالضخمة والجص ولا يعلم الى اين ينتهي ولأي الاغراض كان يستخدم وإلى جانب هذا المبنى من جهة الغرب بناية ضخمة أخرى كانت تستخدم كقلعة عسكرية تسمى (الكوت) فيها نافذات صغيرة تطل على النهر وكان الجنود يخرجون فوّهات المدافع من تلك المنافذ لمواجهة عدوان العشائرالمعادية لهم وإن المبنى هذا شيّد بالأحجارالصلبة ايضاً ويوجد فيه حالياً مضخة مياه كبيرة وضعتها حكومة الشاه سابقا لريّ ذلك البستان . ومن الظريف جداً أن شريكة تابعة لوزارة الطاقة والمياه [6] عقدت منذ عشرة سنوات اتفاقاً مع دائرة حفظ التراث [7] على أن تتم المحافظة على مبنى القصرمن قبل الشريكة المذكورة ، كما تعهد الطفان بترميم ما هدم منه وتبديله لمركز ثقافي يكن في خدمة أبناء تلك المنطقة والسواح والباحثين في مجال التاريخ الحديث للاقليم .
إلا أن هذا الاتفاق كان شأنه شأن الكثير من الاتفاقات السابقة ، بقی حبرعلى ورق ، ولم يتحقق أيّ من بنوده بل ما جرى بعده كان عكس ذلك الاتفاق إذ أمر المهندس شمسايي [8] بهدم ذلك القصربواسطة الجرارات واللودرات الثقيلة كما توضح الصور وهُدمت أجزاء مهمة من قصرالشيخ خزعل الذي طالما كان يأوي الفرس نفسهم ويقربهم ويضيفهم على أحسن وجه .
كما أحرق البتان وأجرشت نخيله وقطّعت اشجاره المثمرة ومنع الباحثون من زيارة القصر وفرضت غرامة مالية على كل من يلتقط صوراً منه . ولو لا تدخل بعض الخيّرين من أهالي مدينة الحميدية ودفاعهم الشجاع لهُدّم و دمّر القصر واندثرت آثاره كما فعلوا بنظيره على ضفة كارون حیث ابدلوه الى موقف لوسائل النقل العامة ، واننا على يقين أنهم سوف يقومون بتدميره عاجلاً أم آجلا لان ذلك القصر وتواجده في المنطقة لاينسجم أبداً مع طبيعة الفرس الإقصائية والإستأصالية بالنسبة للشعوب غير الفارسية وانهم سوف يأتون ليشفوا غليلهم بمحق التراث العربي في الاحواز ولذلك نحن عرب الاحواز في الداخل ما بقي لنا اليوم إلا أن نستنجد بالأخيار في العالم و محبيّ التراث والمنظمات غيرالحكومية والمنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان خاصة منظمة اليونسكو للتدخل السريع والعاجل من أجل انقاذ هذا الأثر التاريخي المهم جداً والآثارالاخرى مثل قصرالفيلية ومعبد زيغورات (جغازنبيل) ومقبرة المحسن المشعشعي ومقبرة تبتى أهرالملك العيلامي في منطقة التلال السبعة [9] وغيرها من الآثارالقديمة من الأيادي العابثة والنفوس المريضة ومن أجل وضع حدّ لمثل تلك التصرفات غيرالمسؤولة والضغط على الحكومة الايرانية الحالية من أجل اعتماد الوسائل الضرورية للحفاظ على الموروث الثقافي للشعوب غيرالفارسية .
طلال مصطفى الاحوازي
عضو في التيار الوطني العربي الديموقراطي في الاحواز
عضو في التيار الوطني العربي الديموقراطي في الاحواز
20 – 1 – 2006
[1] - تنظيم سياسي في الاحواز يطالب بحقوق الشعب العربي الاحوازي علي مختلف الاصعده .
[2]- نقصد دول الشرق الاوسط بالمفهوم الجديد
[3]- شهر سوخته
[4]- الآجر المفخور
[5]- چغازنبيل
[6]- شركت بهره برداري از شبكه آبياري كرخه و شاوور
[7]- سازمان ميراث فرهنگي
[8]- مدير دائرة الطاقة و المياه ي المحافظة و هو فارسي من اصل بهبهاني
[9]- هفت تپه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























