الأزمة البنوية و المنهجية للنخب و الانتيليجنسيا الأهوازية في انتفاضة نيسان

كتبهاطارق الاحوازي ، في 15 أبريل 2008 الساعة: 22:10 م

محمد شريف نواصري
((الحلقة الثانية))
 
مراجعة بعض المفاهيم:
لكل حقل من حقول المعرفة مفاهيم تختص به وهي في الواقع أدات للتعبير و التخاطب و التواصل في ذلك الحقل و لابد من ضبطها للحيلولة دون الالتباس و الفوضي حيث ذهب بعض فلاسفة اللغة من أمثال "ويكتنشتاين" الي حد القول بأن أساس مشكلة المعرفة و الفلسفة هي أدوات التواصل المعرفي أي اللغة من أجل حل تلك الأشكالية لابد من أعادة تعريف المفاهيم من جديد لكي تؤدي حقا معناها.
 
أما بالنسبة للمفاهيم التي تجدر الاشارة لها في هذه الدراسة هي الجماعات و التيارات السياسية و الفكرية النالشطة علي الساحة الأهوازية. حيث تم تقسيمها الي "النخب الكمبرادورية" و الانتيليجنسيا و تشمل الاخيرة الاحزاب و مؤسسات المجتمع المدني و الطلاب.
 
النخب الكمبرادورية:
أن هذا المفهوم تم استعماله في الادبيات السياسية لأول مرة من قبل الماركسين الجدد من امثال غوندرفرانك و والرشتاين و سمير امين.حيث له مدلولات خاصة بالمنظومة الفكرية المطروحة من قبل هؤلاء. النخب الكمبرادورية هي تلك الجماعة السياسية و الاقتصادية من الاقطاعيين و كبار المدراء و اصحاب المناصب و رؤس الاموال الذين هم أدات طيعة بيد المستعمر الاجنبي. و هم جزء من منظومة "المتروبول" (المركز) و المحيط و مراكزهم و الدور الذي يلعبونه "بالمحيط" للمحافظة علي مصالح المركز المستعمر و هم أداته التنفيذيون حيث يسعون جهد الامكان علي المحافظة علي تلك العلاقة غير المتوازنة بين المركز و المحيط و التي تنصب في مصلحة المركز المستعر. و نقصد هنا بالنخب الكمبرادورية اكثر مما ذهب اليه "سمير امين" و فرانك و والرشتاين و هم كل الذي يصب جهدهم في خدمة المستعمر, من الفرس و العرب[i].
 
الأنتيليجنسيا:
الأنتيليجنسيا هي كلمة روسية من أصل بولندي كما يقال البعض و قد استخدمت لأول مرة في روسيا, في الستينيات من القرن الماضي و ذلك للإشارة الي المثقفين الذين كانوا يمارسون النقد الفكري لزمالئهم و مجتمعهم, و يرفضون النظام القائم و يدعون إلي تغييره و يقدمون تصورات و مفاهيم عامة جديدة او نظريات نقدية حول المجتمع و التاريخ, او النظام الاجتماعي و السياسي ككل, و يلتزمون بالأفكار الثورية التي يقدمونها و يعيشون لها و يحيون بها.
 
أن كل نضال سياسي او ثوري كبير في صنع التاريخ يقترن بأنتيليجنسيا تعبر عنه, و تمثل الوعي الذي يحدد علاقته بالواقع الذي يتفاعل معه, الواقع المدعو الي تغييره و تطويعه لمقاصد الثورة, و بالتالي فأن طريقة تعامله مع هذا الواقع او درجة فاعليته في أعادة تكوينه في ذوء هذه المقاصد, ترتبط بنوعية هذه الإنتيليجنسيا, بالإمكانات و المؤهلات تاتي تميزها و بقدرتها علي ممارسة الدور الذي يترتب علي وجودها.
 
أن  الإنتيليجنسيا هي من أفرازات المجتمع الجديد و مرحلة الحداثة و بعد الثورة الصناعية حيث ظهرت بالمجتمع العربي الأهوازي. لأول مرة مع ولادة الطبقة الوسطي و ظهور التيارات السياسية و الفكرية و نشوء الأحزاب السياسية القومية اليسارية في الستينيات و السبعينيات من القري الماضي و أخذت تطرح نفسها كبديل لعملية النضال الثوري, لزعماء القبائل و بعض رجال الدين و الإقطاعيين. و شهدت مراحل و أخفاقات مختلفة طوال الاربعين سنة الماضية. كما أنها تشمل الناشطين السياسين و طلاب الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني و هذا ما نقصده في سياق هذه الدراسة.
 
الأزمة المنهجية للإنتيليجنسيا و النخب الفكرية و السياسية في الأهواز:
في ظل الفوضي و البلبلة اللتين تسودان النضال حاليا و في مقدمته الوضع التحرري…نواجه خيارين, إما الأستمرار في التبشير بالأنفصال في ضوء رغبات مثالية, و أما استراتيجيا نضالية, تؤكد علي حق تقرير المصير يكون للشعب العربي الأهوازي كلمة الفصل فيه, نصوغها في ضوء منهج علمي يدرس حالات مماثلة في العالم يكشف عنها الواقع السياسي التاريخي, اي تجارب التحرر السياسي التاريخية بغية الكشف عن الأنتفاضة او القوانين العامة النضالية التي تسودها و ذلك قصد العمل بها, إما عقلية تبشيرية تنقاد لرغبات و مشاعر ذاتية و تعمل خارج اي أدراك علمي منظم للواقع الذي تتعامل معه, للظاهرة التي تنشغل بها, و إما عقلية علمية تدرك الأتجاهات الموضوعية التي تتحكم, او يمكن أن تتحكم بهذا الواقع, فتكون بالتالي قادرة علي تطويعه لمقاصد الثورة و حق تقرير المصير. [ إما أستمرار إنتيليجنسيا و مجموعة مثقفة بعيدة عن الواقع و طوبائية تمثل العقلية الأولي و كانت مسؤولة عن أخفاقات النضال للشعب العربي...., و أما إنتيليجنسيا  جديدة تمثل العقلية الثانية كتحول ضروري من أجل حق تقرير مصير الشعب. الطريق الأول يعني إستمرارية الطوبائية و البعد عن الواقع و مايعنيه من بلبلة و فوضي, و بعثرة الإمكانات و هدر الطاقات و المراوحة في المكان نفسه, في أحسن الحالات, و الطريق الثاني يعني أحتمال الخروج من ذلك و القدرة علي ضبط الواقع و تطويعه لقصد حق تقرير المصير, و كذلك تطويعه لجميع مقتصدنا التي تدور حول مجتمع جديد يتحرر فيه الشعب العربي الأهوازي من الذل التاريخي الذي لايزال ينوء تحته منذ عشرات السنين]. لهذا يكون ظهور فكر علمي متكامل يرتكز علي حق تقرير المصير, تعبر عنه إنتيليجنسيا جديدة يتميز بأهميتة قصوي, لتصحيح مسيرة النضال للشعب العربي الأهوازي و توفير الفاعلية و النجاح له.
 
أن كل نضال سياسي, خصوصا عندما يكون ثوريا و تحرريا, يعني وعيا يرتبط به, ينطلق منه, و يرجع اليه, و لهذا فأن نجاحه او تأزمه و تشرذمه, يقترن بطبيعة هذا الوعي و بالكيفية التي يترجم بها هذا النضال في الأوضاع التي يعمل فيها و بما أن إنتيليجنسيا و الطبقة السياسيةهي أداة هذا الوعي, فأن ضعف و تشرذم النضال (في هذه المرحلة) يعني تأزمه, و لايمكن بالتالي أدراكه او تفسيره دون إدراك او تفسير  هذا التأزم و التشرذم.
 
ان هذا التأزم يعني غياب العقلانية العلمية, العقل العلمي, عن هذا الوعي الذي يكون فكر هذه الإنتيليجنسيا. أن الحاجة الأساسية الان أدراك الواقع السياسي الذي وصل اليه هذا النضال و الخلفية التاريخية و السياسية التي قادت أليه, فأن هذا الأدراك هو الخطوة, الضرورية لأي تخطيط كهذا.
 
فلكي يستطيع هذا النضال الخروج من المأزق الذي وصل اليه يجب أن ندرك اولا كيف وصل اليه. المسألة الأساسية ليست الإدانة في ذاتها بل الإدراك, اي فهم الواقع الذي يفترض هذه الأدانة و يوجه أليها.
 
أزمة الإنتيليجنسيا و الطبقة السياسية لايفسر طبعا كل شي و لكن جميع الاسباب الاخري التي يمكن الإشارة اليها تتأثر بنوعية الوعي او الادراك الذي يحدد عمل النضال تجاهها, و يترجمها الي واقع النضال. فإن لم يصح هذا الوعي او الإدراك يخسر النضال فاعليته و قدرته علي سيادة الأحداث و الأوضاع التي يتفاعل معها حتي عند ماتكون هذه الأخيرة مؤاتية للأهداف التي يعمل لها. إن قيمة عامل معين في تفسير الأحداث و ظاهرة معينة, سواء كان اقتصاديا او سياسيا او اجتماعيا و الخ…هي قيمة نسبية. أننا عندما ندرس بدقة علمية هذه الأحداث او الظاهرة و فاعلية المفاهيم التي نرجع اليها في تفسيرها, نستطيع ان نري حدود استخدام هذه المفاهيم و تطبيقها.
يمكن الكلام أساسيا عن نمطين رئيسين في الحياة الفكرية, النمط الذي يخضع الوقائع الموضوعية الي رغبات و دوافع ذاتية, و النمط الذي يخضع هذه الرغبات و الدوافع الي هذه الوقائع و العقلية العلمية. أن هذا الخلل يعلن عن أزمتها, و أن تأزمها         (الانتيليجنسيا و الطبقة السياسية الأهوازية) كان مسئوولا مباشرا عن الأزمة و حالة التشرذم التي وصل اليها النضال التحرري الأهوازي, و أن الخروج من هذا الطريق, و أحيا هذا و نقله الي صعيد تاريخي موضوعي جديد, يشترط بالتالي تصحيحا جذريا لهذا الخلل, اي تجديد الوعي النضالي الذي تعمل من خلاله و بالتالي ظهور أنتيليجنسيا و طبقة سياسية جديدة تمارس النمط العلمي و النضالي.
 
النمط العلمي و الموضوعي يعني أن المفاهيم و التصورات التي ينطلق منها او يرجع اليها, تتطابق مع الوقائع المعروفة حول الموضوع الذي تنشغل به, ليس كل الوقائع بل اكثرها علي الأقل, او بقدر كبير منها فهو كاف للتدليل علي وجود نظام أساسي تكشف عنه اي عن علاقات أنتظامية أساسية تنظيمها. فدرجة صحتها ترتبط بدرجة تطابقها مع الواقع التي تكون موضوعا لها. فالوقائع و الأحاسيس المباشرة تخدع في مظهرها, و عادة لايمكن إدراكها إن نحن أقتصرنا عليها, و لم نخترق هذا المظهر عن طريق تدخل العقل العلمي و الموضوعي.
 
الفكر الذي لايمثل بشكل ما هذه المعرفة و الذي لايرتبط بالواقع الموضوعي او يدل علي صحته بالرجوع الي الوقائع الميدانية يكون تعبيرا عن مشاعر و رغبات و حوافز ذاتية و مصلحية, و بالتالي يجب تجاهله في ضوء العقلانية العلمية و الموضوعية. جميع منجزات الحضارة الحديثة من الفيزياء الي علم التحليل النفسي, من ثورة الفضائية الي ثورة المعلوماتية, الي الثورة البيولوجية الحالية, الخ… تعود الي هذه العقلانية. تصحيح مسيرة النضال الأهوازي و نقله الي صعيد تاريخي و موضوعي جديد فعال يفترض تزاوجه بهذه العقلانية. هذا يعني تغير نمط التقكير الذاتي, او "العقلية التبشيرية" الطوبائية و كذلك تغيير العقلية الأنهزامية و الذوبان بالآخر.
 
أن ولادة نمط فكري جديد يعني بأستمرار سقوط نمط قكري سابق, و ظهور انتيليجتسيا و طبقة سياسية جديدة تنطلق منه. الانتيليجتسيا التي تعمل دون هذه العقلانية العلمية الموضوعية التي تنظم بها الوسط الخارجي او العمل السياسي و النضالي من زاوية معينة, قد تري كل مايجب رؤيته من مظاهر و أحداث خارجية, لكنها تعجز عن اختراقها وصولا الي الجوهري و الأساسي الذي يحركها من الداخل. إنها تري التفاصيل لكن ليس الكل المترابطة فيه, الأحداث ولكن ليس العلاقات الأنتظامية التي تنظمها.  الواقع بالنسبة لأنتيليجنسيا كهذه يعادل فقط مجموع الوقائع و الظواهر التي يدل عليها, و لهذا فان الواقع ككل مترابط, كسيرورة, كاتجاهات موضوعية, يفاجئها دائما بعمله. هذا لايعني سقوط كل عمل او انتاج يصدر عنها, بل النمط الفكري, و النظريات و المفاهيم التي تنطلق منه في تغيير الواقع في سبيل مقاصدها.
 
الوعي العلمي يلتحم بالواقع الموضوعي و يرتبط به بأستمرار, و العمل السياسي و النضالي يرتبط هو ايضا بوعي معين يتجه به ويترجمه الي واقع, فأن صح هذا الوعي الذي يقوم بذلك كان من الممكن لهذا العمل ان يكون فعالا في تحقيق مقاصده و استخدام الإمكانات التي تتوفر له. الإمكانيات الضرورية للنجاح توفرت للأنتيليجنسيا و الطبقة السياسية الأهوازية ولكن الوعي العلمي و النضالي السليم لم يتوفر لها, و هذا كان يعني تأزمها. المفكر السياسي يدرس وقائع الوسط الخارجي من زاوية معينة لأنه يريد تفسيرها و أدراكها مدفوعا بحب المعرفة و التغير, لأنه يريد أن يدرك كي يكتشف الكيفية التي يعمل بها الناس, و هو يريد أدراك الأسباب التي تفسر سلوكهم, او كي يطوع هذا الوسط لمقاصد معينة. و لكي يحقق هذا كله يجب أن يتجاوز الوقائع الفردية و يكشف عن العلاقات الأنتظامية او القوانين التي تشكل النظام العام الكامن وراءها[ii].
 
هذا لايعني أن هناك كائنات إنسانية او جماعات معينة دون وعي, و أخري تمثل هذا الوعي تماما, لأن الوعي يتخذ درجات و مستويات مختلفة مترابطة, و يتدرج بشكل غيرملحوظ من اشكال خافتة و محدودة إلي أشكال واضحة و متكاملة نسبيا, فان قليلا من الوعي قد يكون أخطر شيء, كما يكتب احد المؤرخين الفلاسفة[iii], و لهذا يجب أن نعمل علي أن نكون ذوي وعي واضح وتام لما نحن عليه, اين نكون و كيف وصلنا الي الحالة الراهنة التي نعيشها.
 
 


. د.سمير أمين, بعض قضايا المستقبل, مكتبة مدبولي, الطبعة الاولي, القاهرة 1991م,ص71.[i]
[ii] . Balpour.M.states and minds, The Cresset Press,1935.
[iii] . Maller, H. The uses of the past, Shoken Books,1985.
 
 
16 – 6 – 2
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر