الازمة البنيوية والمنهجية للنخب والانتليجنسيا الاهوازية في انتفاضة نيسان

كتبهاطارق الاحوازي ، في 19 أبريل 2008 الساعة: 21:11 م

 محمد شريف نواصري
 ((الحلقة الرابعة))
 
المرجعيات النظرية للسياسات العنصرية تجاه الشعب العربي الاهوازي

كان ذلك النفق المظلم الذي دخله الشعب العربي الاهوازي بعد الاحتلال الكولونيالي المباشر بالغ الأثر على المجتمع ومؤسساته الفتية والشرائح الاجتماعية حيث أخذ المستعمر يدمر كل تركيبة الحكم العربي ومؤسساته الثقافية والاجتماعية ويغلق المدارس والمكتبات ويفرض المدارس الفارسية ويمنع تداول اللغة العربية في مؤسسات الدولة وكذلك الشعر و النتاجات الثقافية والأدبية بشكل منهجي بإيعاز من منظري تلك السياسات العنصرية التعسفية من أمثال: محمود افشار و مؤسسته "ايران الفتية"(انجمن ايران جوان) وجريدة آينده حيث قاموا بدور رائد في تحديد سياسات ايران المستقبلية تجاه الشعوب الايرانية والشعب العربي الاهوازي حيث يقول :" الطموح المثالي لنا هو حفظ واستكمال الوحدة الوطنية … ونقصد من الوحدة الوطنية ،الوحدة السياسية والاخلاقية والاجتماعية للجماعة البشرية التي تعيش في ايران بغض النظرعن الانتماءات القومية لها… وقصدنا في اِستكمال الوحدة الوطنية هو أن تعم اللغة الفارسية أرجاء ايران وتذوب الفروقات المحلية من حيث اللباس (الزي) والسلوك واِلغاء اللامركزية في ايران وتلغى الفروقات بين اللر و الأتراك والعرب والتركمن من حيث اللغة والثقافة لأن في ذلك خطرعلى الأمن القومي واذا لم نحقق ذلك سيكون المستقبل مظلم بالنسبة لايران … ليعلم الذين يحبون تاريخ ايران واللغة الفارسية وكذلك الذين ينتمون الى المذهب الشيعي أن عدم تحقيق ذلك يؤدي الى تجزئة ايران فلابد من التعاضد  و التكاتف من أجل تعميم اللغة الفارسية لتحل محل اللغات الأجنبية كالعربية والتركية… ولابد من تأسيس المدارس من أجل ذلك كما لابد من تأليف آلاف الكتب باللغة الفارسية وتوزيعها في خوزستان (عربستان) وآذربيجان وأن يتم اِستبدال الأسماء العربية والتركية بالأسماء الفارسية للمدن والأرياف وكل ذلك من أجل الوصول الى الوحدة الوطنية.
 
إن هؤلاء ومن على شاكلتهم من العنصريين من رواد الحداثة في ايران عند بدايات القرن العشرين وهم مؤسسوا المدرسة التحديثية في ايران التي أخذت تمسك الى يومنا هذا بزمام المبادرة وتحدد السياسات والمناهج التحديثية وكذلك السياسات القومية.
 
هؤلاء هم خريجو المدرسة التحديثية والعنصرية في اوروبا نهاية القرن التاسع عشر، حيث كان لذلك المشروع الاوروبي بالغ الاثرعلى نمط  تفكير و كذلك السياسات المنهجية لهذه الفئة من أجل خلق نمط  جديد من الدولة والمجتع سعياً منهم لتذويب الفروقات وكذلك الشعوب غيرالفارسية ومن أجل فهم تلك السياسات المنهجية لابد من الرجوع الى النسخة الاصلية من ذلك النمط من التفكير في اوروبا في القرن الثامن عشروالتاسع عشر.
 
 
لقد اِنكب المؤرخون الأوروبيون في القرن التاسع عشر الذي يعتبر قرن التاريخ – على اِعادة كتابة تاريخ اوروبا وفلسفته من منظورتاريخاني ينطلق من ان الحقيقة ليست معطى جاهزا متعاليا بل معطى تاريخيا بمعنى ان يتطور مع التاريخ. ومعنى هذا ان الحقيقة في كل عصر هي اقرب الى الكمال منها في العصر السابق ،وان الآتي اقرب الى الحقيقة من الراهن. وينتج عن ذلك انه لما كانت اوروبا وحضارتها هي الحاضر- اي انها " العصر الحديث" او " الازمنة الحديثة" وتعي وحدها " الحداثة" فان جميع العصورالسابقة في تاريخ الانسانية هي عبارة عن مراحل قطعها التطور في  مسيرة حضارية  بلغت أوجها في اوروبا الحداثة و هكذا يكون التاريخ قد اختار اوروبا  لتكون قمة مساره و أوج  تطوره الآن ، ورائدة لهذا المسار غدا. وهكذا حل "التاريخ"  محل الله واصبحت اوروبا هي "شعب التاريخ المختار".

لقد تعززت هذه الايدولوجيا التاريخانية التي وجدت تطبيقها الواسع في فلسفة التاريخ – عند هيغل خاصة – تعززت بنظرية التطورالداروينية التي كرست فكرة تغييرالانواع (نبات وحيوان وانسان) وامكانية تحول بعضها الى بعض على سلم من التطوريتم فيه الارتقاء من الادنى الى الاعلى.وقد فسّر داروين ذلك بما سمي بمبدأ "الإصطفاء الطبيعي" و "البقاء للأصلح" الى مبدأ "البقاء للأقوى". واذا كان هذا المبدأ يقدم تبريراً أيدولوجياً سافراً للهيمنة الطبقية البورجوازية داخل اوروبا وتبريراً لإستغلالها واِستبدالها فهو يقدم ايضا التبرير نفسه للتوسع والهيمنة خارجها ؛ الاستعمار.

وترتبط بهذه النزعة التطورية ارتباطاً مباشراً النزعة العرقية و هي نزعة تعلي من شأن الاختلافات بين الأعراق البشرية وتتبالغ في دورالوراثة والاصطفاء الطبيعي وتنقلها الى المجال الاجتماعي.وكتاب جوبينو (1816-1882) الشهير لذي يحمل عنوان: "بحث في تفاوت العروق البشرية" .(طبع في باريس في اربعة مجلدات ما بين عامي (1853- 1855) ، ليس سوى نموذج واحد من الكتب التي روّجت لهذه النزعة . ان الموضوع الاساسي الذي عالجه جوبينو في هذا الكتاب الضخم ، وهو "موضوع الساعة" يومئذ ، هوالتقدم واسبابه ، تقدم المجتمعات بصفة خاصة.

لقد ناقش جوبينو واِعترض على جميع الآراءالتي ادلى بها المؤرخون وعلماء الاجتماع لتفسيرظاهرة التقدم والتخلف على مستوى الاجتماع والحضارة ليقول بعامل واحد اساسي في نظره هو العامل العرقي.

وتتلخص نظريته في القول بان الشعوب تتاخرعندما تفقد خصوصيتها – اي القيمة الذاتية التي تتميز بها عن غيرها والتي ترجع الى صفاء الدم ونقاء العرق .وهكذا فاذا اختلط شعب من الشعوب بغيره وتغيرت دماءه فستكون النتيجة هي تدهورخصوصيته وضياع صفاء دم ابائه واجداده ودخوله مرحلة انحطاط حضاري تقوده الى افول نجمه واضمحلال كيانه .وعلى العكس من ذلك الشعب الذي يحافظ على صفاء عرقه فاذا كان هذا الشعب ذا عرق ممتاز و حافظ على نقاوته فانه يتوفر بذلك على مقومات التقدم والازدهاروعلى متطلبات الحفاظ عليه والاستمرارفي الرقي الى ألاعلى. ويحشد جوبينو الشواهد التاريخية حشدا للدفاع عن نظريته ،شواهد يلتقطها التقاطا ويعطيها تاويلا يخدم غرضه .والنتيجة التي يخلص اليها هي ان كل حضارة من الحضارات التي عرفها التاريخ قد غيرت في وقتها عن خصائص عرق من العروق الرفيعة. واذا كانت الحضارة تنتقل من عرق الى آخرفسبب ذلك فساد الاول بالاختلاط كما قلنا .على ان هنالك ،في نظره اعراقا لا تقوى على انتاج الحضارة وهي عاجزة عن ذلك الى الابد ويعني بذلك ما اطلق عليه علماء الانثروبولوجيا في عصره اسم "الشعوب البدائية." (13

استنادا الى هذه المعطيات والثقافة العنصرية التي تشبع منها العنصريون الفرس اخذوا يكتبون الوصفات من اجل تجديد انبعاثهم الحضاري المزعوم على غرار "النهضة الاوروبية" ( رينيسانس) واخذوا يقلدون اوروبا فادعى مثقفوهم ان من اجل النهوض لابد من الرجوع الى عصر الامبراطوريات الاخمينية والساسانية.
 
واعادة نتاج الثقافة والمؤسسات وبغي المجتمع في تلك الفترة وتجاوزالمرحلة المظلمة من التاريخ الايراني بعد انهيارالامبراطورية الساسانية طول القرون الاثنى عشرالتي خلفتها ،كما فعلت اوروبا في مرحلة النهضة وتجاوزها عصر سلطة الكنيسة ورجال الدين.

فتم اختلاق تاريخ لايمت بالواقع الفارسي بصلة واخذوا يمجدوا تاريخ ايران قبل الاسلام وكانها جنة الخلد كما يدعي ميرزا اقا خان كرماني ومن هوعلى شاكلته .( 14)

 وصبوا جام غضبهم في كتبهم التاريخية والصحف على الاسلام والعروبة باعتبارهما العنصرين الاساسيين في تقويض اركان مجدهم ولازالت تلك الثقافة تطاردهم الى العصرالحديث .وادعوا انهم شعب الله المختارالذي اختارهم في فترات وحقب تاريخية مختلفة وجاء دورهم ليحملوا تلك الرسالة من جديد منطلقين من رسالة ملوكهم الدينية واللااخلاقية ومفهوم " فرايزدان" بالتراث الفارسي.

كما ان هؤلاء العنصريين اخذوا الايدولوجيا التاريخانية وفلسفة التاريخ عند هيغل ومفهوم الشعب التاريخي وكذلك نظرية التطورالداروينية و " الاصطفاء الطبيعي " و البقاء للاصلح "وادعوا ان الشعوب الايرانية والشعب العربي الاهوازي هم ليسوا شعوب تاريخية وان الشعب الفارسي هوالشعب التاريخي الوحيد ولديه رسالة اخلاقية للبشرية جمعاء وان تلك الشعوب تغيرت لغتهم وثقافتهم بسبب الجوارالجغرافي وهم بالمراحل الابتدائية في سلم تطورالمجتمع ولابد من الاسراع في ارتقائهم الى المستوى الذي يصبحون فرسا (فارسيين) وكذلك اذا لم يتيسرذلك فلا مانع من القتل والتهجيرلضمان هيمنة العرق الفارسي الآري الذي لديه رسالة اخلاقية في انقاذ الجماعات الاخرى من التخلف والتوحش وسيكون البقاء للاصلح في استمرارية المجتمع الايراني وديمومته وهو البقاء للاقوى (الشعب الفارسي) بسبب بعض الظروف الدولية والداخلية.

كما ان العنصريين الفرس
 
الهوامش:
 
12- محمود افشار"مطلوب ما: وحدت ملي ايران" 11/ خرداد 1304 ه ش ص5و6.
13- محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي ، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الاولى، بيروت كانون الاول 1996م ص 25 .
14. بيكلو – باستان كرايي در تاريخ معاصر ايران ،نشر مركزـ جاب اول طهران 1380 فصل تاريخ نكاري ناسيوليستي.
 
 
19 – 6 – 2005
 

الذين تجمعوا في (مجلة ايرانشهر) و(ايران نو) من امثال كاظم زاده ايران شهر وتقي زاده  وبورداوود … تاثروا كثيرا بكتاب "بحث في تفاوت العروق البشرية" لجوبينو وكتاب "رسائل للامة الالمانية")

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر